الموقع الشخصي لعبد الرحمن بن ميهوب القداري

تجريد التلاوات القرآنية من بدعة المحسنات الصوتية

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرحمن الرحيم
إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ 102 } [آل عمران]
{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا 1 } [النساء]
{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًۭا سَدِيدًۭا 70 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا 71 }. [الأحزاب]
أما بعد، فإن خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدي هدي محمد صلى اللّه عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وبعد: فقد كنت ممن يستسيغ ويستحسن المؤثرات الصوتية التي تحسن صوت القارئ، ثم بدى لي أن أستعملها شخصيا، فاستحسنت النتيجة جدا، ولكن، شيئا فشيئا بدأت أستنكر ذلك وأشك في مشروعيته، ذلك لما شعرت به من شر مستطير بسبب مدى تأثير تلك المحسنات وقوتها، خاصة لمن يُحْسن تعديلها واستعمالها، فتزيد فتنتها عليه.

كذلك بسبب إكثار البعض استعمالها وتجاوز الحد فيها، حتى كأنك تستمع لصوت مصطنع آلي بعيد شديد البعد عن الأصوات الطبيعية، وما ذلك إلا بسبب الغلو في تزيين القرآن من ناشئة وجدت لها من الآلات والمغريات ما يزين وييسر لها ذلك.

كذلك الصدى، فكأنك تسمع لقراءة جماعية، يصمت هذا ثم ينطق ذاك، وبعضهم يكرر كلمات، والآخر يطيل في الحروف حتى يبقى صوته معلقا لفترة بعد فراغ القارئ الأصلي من إصدار الصوت.

وهذا مصداق ما جاء عن رسول اللَّه — صلى اللَّه عليه وسلم —: «أخاف ‌عليكم ‌ستا: إمارة السفهاء وسفك الدم وبيع الحكم وقطيعة الرحم ونشوا يتخذون القرآن مزامير وكثرة الشرط»1.

وما جاء عن ابنِ مسعودٍ رضي اللَّه عنه، أنه قال : «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ ". قَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: «إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ»2.

الشاهد: كثرة القراء واتخاذ القرآن مزامير. وهذا واقعنا المرير، نسأل اللَّه السلامة والتوفيق.

ولذلك، ففي رسالتي هاته، سأطرح أفكاري ونتائج بحثي، التي بدى لي تدوينها لما رأيت الإمام العثيمين — رحمه اللَّه — يفصل فيه وينكر، وإن لم يكن بالدرجة التي تجول في خاطري، ولكن كان في ذلك كفاية لي ومشجعا على البحث وإعمال الدليل بفهم علماء أهل السنة.

فإن أصبت، فمن اللَّه، أحمده وأشكره، وأسأله أن يكون في عملي هذا تنبيها للغافلين، وتشجيعا للغرباء للصدع بالحق. وإن أخطأت، فمني، وأستغفر اللَّه العظيم وأتوب إليه، ونرجو من القارئ، إن أمكنه، التواصل3 معنا لبيان موضع خطئنا ونقد هاته الرسالة بالتفصيل، وجزاه اللّه خيرا.

وأسأل اللَّه عز وجل، أن ييسر لي ولكم رؤية الحق حقا ويرزقنا اتباعه.

كتبه عبد الرحمن بن ميهوب القَدَّاري في 27 رمضان 1446 هـ.

السؤال الأول: ما أصل المسألة؟

تحسين الصوت عند قراءة القرآن عبادة شرعها اللَّه — عز وجل — على لسان نبيه — صلى اللَّه عليه وسلم —، وكأي عبادة، وجب الالتزام بحدودها وكيفيتها التي بينها رسول اللَّه — صلى اللَّه عليه وسلم —، والتزم بها صحابته ومن سار على نهجهم. فنذكر أولا نصوصا تدل عليها:

  1. «233 - (792) حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم يَقُولُ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يتغنى بالقرآن، يجهر به".».4
  2. «‌‌771 - " ‌زينوا ‌القرآن ‌بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ".»5.
  3. «1322 - عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد قال: مَرَّ بنا أبو لُبَابَةَ، فاتَّبَعْنَاهُ حتى دخل بيته، فدخلْنا عليه؛ فإذا رجلٌ رَثُّ البيتِ، رث الهَيْئَةِ، فسمعته يقول: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: "ليس مِنَّا مَنْ لم يَتَغَنّ بالقرآن". قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيت إذا لم يَكُنْ حَسَنَ الصوت؟ قال: يُحَسِّنُهَ ما استطاع. (قلت: إسناده حسن صحيح).»6.
  4. «‌2202 - 978 - «‌إن ‌من ‌أحسن ‌الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى اللَّه». (صحيح) … [هـ] عن جابر. الترغيب 2/215.».7

إذن، تزيين القرآن يكون بتحسين القارئ صوته.

السؤال الثاني: ما أصل المحسنات الصوتية؟

بما أن الشرع يشمل كل مكان وزمان، ولكل نازلة أصل، فما أصل المحسنات الصوتية؟

مثلا الصدى، الذي هو ارتداد للصوت، كأن تقرأ القرآن في قاعة واسعة فارغة، وتسمع ارتداد صوتك مرة أو عدة مرات. كلُّ ما يقوم به الحاسوب هو تشكيل نسخة أو أكثر من الصوت، لمحاكاة الصدى الطبيعي.

أما التردد، فهو نوع من الصدى، ولكنه لا يُسمِع تكرارًا، بل يوهم عمق الصوت وحسنه، وذلك بتعديل نبرة نُسخ الصوت الأصلي، وزيادة سرعة انبعاثها وتقاربه، بحيث تبدو وكأنها امتداد وليست تكرارا.

وكذلك، التأثيرات الأخرى يمكن تحقيق بعضها في الواقع إن أخبرك خبير بالصوتيات بشَكْلَ القاعة المناسبة لذلك، ومواد بناء جدرانها. أو عدد الأفراد اللازمين لتحقيق تلك التأثيرات عن طريق إصدارهم لنفس الصوت في آن واحد.

فمن هذا، يتضح أن المحسنات الصوتية لقراءة القرآن يعدلها تخصيص قاعات للتلاوة، بناؤها، أو بناء المساجد لتُمكن من حصول تلك التأثيرات المرغوبة. وكذلك القراءة الجماعية.

أما تعديل نبرة الصوت والتخلص من النشاز، الذي يسمى بـ(التصحيح التلقائي للنغمات (Autotune))، وما يماثله، فيعدله الغناء والتلحين وتعلم ذلك، لأنه يقوم مقامهما، وهو حرام يقينا قطعيا دون تردد8.

السؤال الثالث: ما هو التكلف في تزيين القرآن؟

معنى التكلف:
«تَكَلَّفَ: تعرَّض لما لا يَعنيه.
تَكَلَّفَ الأَمرَ: تجشمه على مَشَقَّة.
تَكَلَّفَ الشيءَ: حَمَلَه على نفسه وليس من عادته.»9.

فإذا نظرنا إلى من يزين القرآن بتحسين صوته آليا، وجدنا أنه يُحَمِّل نفسه ما ليس من عادته، لأن ذاك الصوت المُحَسَّن ليس من طبيعته. ومنه، تحسين الصوت آليا: تَكَلُّف.

بعض أقوال العلماء في تحسين الصوت وتزيين القرآن بالتكلف:

  1. الإمام أحمد — رحمه اللَّه —10:
    «قال عبد اللَّه: سمعت أبي وقد سئل عن القراءة بالألحان فقال: محدث، إلَّا أن يكون طباع ذلك، يعني طبع الرجل كما كان أبو موسى الأشعري. "مسائل عبد اللَّه" (1598) [...] قال عبد اللَّه: سألت أبي عن القراءة بالألحان فكرهها، وقال: لا إلا أن يكون طبع الرجل مثل قراءة أبي موسى حدرًا. "العلل" رواية عبد اللَّه (2564) قال الخلال: وأخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد اللَّه سئل عن القراءة بالألحان؟ فقال: لا يعجبني، إلّا أن يكون جرمه. قيل له: فيقرأ بحزن يتكلف ذلك؟ قال: لا يتعلمه، إلَّا أن يكون جرمه.»11.
  2. الإمام ابن القيم — رحمه اللَّه —: «وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين: أحدهما: ‌ما ‌اقتضته ‌الطبيعة وسمحت به، من غير تكلُّف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خُلِّي وطبعَه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى للنبي صلى اللَّه عليه وسلم: «لو علمتُ أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا». والحزين ومن هاجه الطربُ والحبُّ والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكنَّ النفوس تقبله وتستحليه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكلِفٌ لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثَّر به التالي والسامع. وعلى هذا الوجه تُحمَل أدلَّةُ أرباب هذا القول كلُّها.
    الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، ليس في الطبع السماحةُ به، بل لا يحصل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلَّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركَّبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلُّم والتكلُّف. فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذمُّوها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. وأدلَّةُ أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه.
    وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيَّن الصواب من غيره. وكلُّ من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلَّفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى للَّه من أن يقرؤوا بها أو يسوِّغوها؛ ويعلمُ قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجًى تارةً، وبطرب تارةً، وبشوق تارةً. وهذا أمر في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارعُ مع شدَّة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع اللَّه لمن قرأ به، وقال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن». وفيه وجهان، أحدهما: أنه إخبار بالواقع، أي كلُّنا نفعله. والثاني: أنه نفيٌ لهَدْيِ من لم يفعله عن هَدْيه وطريقته. واللَّه أعلم.»12.
    قلت: إذن، هناك اتفاق على إنكار تكلف تزيين القرآن. فإن كان جرمه، وإلا فلينته. أي إن الأمر بتحسين الصوت وتزيين القرآن به ليس على إطلاقه، بل مقيد بالعفوية وطبيعة الصوت. وهذا والحمد للَّه من ميز الإسلام، ألا وهي الوسطية؛ لا إفراط ولا تفريط.

السؤال الرابع: ما قول ابن عثيمين في الصدى ومحسنات الصوت؟

وقد تعمدت الاسترسال وإدراج كل أقواله حول هذا، وذلك للتأكيد على قوة موقفه.

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد انتشر في مساجد المسلمين في السنوات الأخيرة تركيب جهاز يسبب التشويش والإزعاج لكثير من المسلمين يسمى جهاز ترديد الصدى يضاف إلى مكبر الصوت لتضخيمه وترديد صداه في جنبات المسجد, مع العلم بأن ذلك يؤدي إلى أن يسمع المأموم قراءة الإمام وكأنه يردد كلمتين والحرف حرفين وخصوصاُ حروف الصفير, ويحصل من ذلك إزعاج وتشويش على بعض المصلين, نرجو من فضيلتكم بيان رأيكم في هذا وتوجيه نصيحة لمن يتسبب في جلب ما يشوش على المصلين إلى المسجد.
جزاكم الله خيراً,
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إذا كان لا يحصل من جهاز ترديد الصدى إلا تحسين الصوت داخل المسجد فلا بأس به؛ أما إذا كان يحصل منه ترديد الحروف فحرام؛ لأنه يلزم منه زيادة حرف أو حرفين في التلاوة, فيغير كلام الله تعالى عما أنزل عليه, قال في كتاب ((الإقناع)) وكره أحمد قراءة الألحان وقال: وهي بدعة. فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفاً حرم.ا. هـ كلامه.

المصدر: ص160 - كتاب مجموع فتاوى ورسائل العثيمين - تصفح الكتاب - المكتبة الشاملة.

قلت: علق الشيخ حكم تلك الأجهزة بحدوث تكرار الحروف أو عدمه، وهذا خاص بالصدى. أما التردد فلا يسبب تكرارًا يُسْتَوْعَب، وإنما يمد أثر الصوت ويزيد مدته، خالقا بذلك تأثيرًا يستحسنه السامعون لكونه أغنى من الصوت العادي. ذلك لأن التردد يحدث تكرارات قصيرة الأمد وبكثرة، فتلتحم مع الصوت الأصلي فيبدو أكثر عمقا وحسنا.

[حكم استخدام جهاز الصدى في المساجد]
السؤال:
فضيلة الشيخ يوجد في بعض المساجد بالإضافة إلى مكبرات الصوت يوجد جهاز يسمى جهاز الصدى، ولكن أئمة المساجد يختلفون في ضبطهم لهذا الجهاز، فبعضهم يزيد في تكرير الحرف من الآية إلى مرتين فأكثر، ويتضح ذلك أكثر في حرفي السين والصاد، وبعضهم الآخر يجعل الجهاز يضخم بدون ترديد فلا يؤثر هذا على القراءة للقرآن الكريم، فما حكم وضع الصنف الأول الذي يردد بكثرة، وما توجيهاتكم لمن يفعلونه، علماً أن الصنف الثاني لا يكون فيه تكراراً للأحرف وجزاكم الله خيراً؟
الجواب:
أما الصنف الأول الذي يكون فيه تكرار الحرف هذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى زيادة حروف في كلام الله عز وجل. وأما الثاني الذي ليس فيه إلا تفخيم الصوت فينظر إن كان هذا أدعى للخشوع فلا بأس، وإلا فتركه أولى؛ لأن كون الناس يستمعون القرآن بدون واسطة في الغالب أخشع، وإذا اعتاد الإنسان أنه لا يخشع إلا إذا سمع عبر هذا الصوت صار إذا قرأ القرآن وحده لا يحصل له الخشوع، وعلى هذا فتركه أولى في كلا الحالين.لكن الحالة التي تؤدي إلى تكرار الحروف يكون فيها حراماً؛ لأنه لا يحل للإنسان أن يزيد في كلام الله ما ليس منه.

المصدر: ص23 - كتاب لقاء الباب المفتوح - حكم استخدام جهاز الصدى في المساجد - المكتبة الشاملة.

قلت: إضافة لما سبق، فقد ذهب الشيخ إلى جواز استعمال تلك الأجهزة إن كان أدعى للخشوع، مع تفضيله ترك ذلك خشية عدم خشوع الناس إلا به، وهذه علة وجيهة وقوية، يشهد لها تهافت الناس على من يستعمل المحسنات الصوتية.

[حكم استخدام مكبرات الصوت المشتملة على الصدى المتردد في الصلاة]
السؤال:
ما حكم استعمال مكبرات الصوت التي فيها صدى يتردد منها قراءة الإمام في الصلاة؟

الجواب:
أرى أنها حرام؛ لأنه يلزم منها زيادة حرف أو أكثر في القرآن، وهذا لا يجوز، والواجب على الأئمة أن يتقوا الله عز وجل وألا يتخذوا للقرآن مزامير كمزامير اللهو دون أن تكون مزامير كمزامير آل داود، مزامير آل داود حسن الصوت المجرد، أما أن يضيفوا إليه آلة تكرر معه بحيث يكون الحرف الأخير ثلاثة أو أربعة أو خمسة حروف فهذا والله تحريف للقرآن، ولا يجوز، والواجب عليكم بارك الله فيكم أن تنصحوا الأئمة الذين يتخذون هذا، وقولوا أنتم لستم تنشدون أغنية، بل تقرءون كلام الله فلا تزيدوا فيه حرفاً من الحروف، اتقوا الله في كتاب الله، واتقوا الله في عباد الله، وقد يتخذون القرآن غداً كأنه مزامير لهو.
المصدر: ص11 - كتاب جلسات رمضانية للعثيمين - حكم استخدام مكبرات الصوت المشتملة على الصدى المتردد في الصلاة - المكتبة الشاملة.

قلت: وهنا إشارة جيدة إلى الاكتفاء بحسن الصوت المجرد، وإن كانت العلة الأقوى عند الشيخ هي تكرار الحروف، لما في ذلك من تحريف لكلام اللَّه.

[حكم استخدام أجهزة ترديد الصدى في المسجد] السؤال:
يوجد في بعض المساجد الأجهزة الترديد (الصدى) فهل هذا يجوز؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: عن الصدى في المساجد.
الجواب:
أرى: أنها لا تجوز، فإن كانت تستوجب ترديد الحرف، فعدم الجواز فيها أمر قطعي عندي؛ لأن ترديد الحرف يعني زيادة في كلام الله عز وجل، وقد كره الإمام أحمد وغيره من العلماء قراءة الكسائي لشدة الإدغام فيها أو لطول المد فيها؛ لأن هذا يقتضي أن يكون هناك زيادة على كلام الله عز وجل، لكن إذا كانت لا توجب ترديد الحرف فأرى أيضاً المنع فيها لكني لا أجزم به جزماً بيناً؛ وذلك لأنه ليس المقصود من القرآن الكريم أن يكون كنغمات الأغاني والطبول، المقصود أن يقرأه الإنسان بخشوع، وربما يكون قراءته بدون مكبر الصوت أدعى للخشوع كما هو المشاهد غالباً، وأما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتزيين الأصوات بالقرآن فالمراد الأصوات التي خلق الله الإنسان عليها، لا بأن يأتي بآلة، لكن إن اضطر للآلة لأننا لا نحرمها بل نقول هي من فضل الله لو كان المسجد واسعاً يحتاج صوتك فيه إلى تكبير فلا بأس كما هو معروف الآن في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيره من مساجد المسلمين، أما هذا الصوت الذي يسمى الصدى فهو إن كان يلزم منه ترديد الحرف فهو حرام ولا إشكال فيه لما فيه من الزيادة على القرآن، وإن كان لا يتضمن ذلك فأنا أيضاً أرى منعه.

المصدر: ص18 - كتاب لقاء الباب المفتوح - تصفح الكتاب - المكتبة الشاملة.

قلت: هنا إنكار أدق للصدى، وذلك لقوله: «وأما أمر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بتزيين الأصوات بالقرآن فالمراد الأصوات التي خلق اللَّه الإنسان عليها، لا بأن يأتي بآلة»، وهذا جميل جدا، لأنه أشار إلى تقييد كيفية تحسين الصوت في أمر النبي — صلى اللَّه عليه وسلم — بتزيين القرآن.

وأما قوله: «لكن إن اضطر للآلة لأننا لا نحرمها»، فلا يقصد من ذلك الاضطرار لتحسين الصوت، بل لتكبيره، كما صرح بذلك فيما بعده، على أنه حتى لو كان كذلك، لما صح، لأنه لا ضرورة لاستعمال المحسنات الصوتية.

السؤال :
أحد أئمة المساجد يسأل يقول: سمعنا لكم كلاماً في المحسنات الصوتية (الصدى) فما نصه؟ الجواب:
نص ذلك: أن هذه المحسنات الصوتية (الصدى) إذا كان يلزم منها تكرر حرف فهذا حرام, لأنه زيادة في كلام الله عز وجل ولا يحل, وأما إذا كان لا يلزم منها تكرر الصوت نظرنا إذا كانت تظهر الصوت وكأنه صوت مغنٍ فهذا أيضاً ممنوع, ولكن الآن لا نجزم بالتحريم؛ لأنه ما في زيادة على لفظ القرآن, هذا ما نقوله حول هذه المحسنات, ثم نقول: يا إخواني! العبرة ليس بالطرب والتلذذ عند الصوت، العبرة عند الخشوع, وكم من إنسان قرأ بدون مكبر الصوت فضلاً عن المحسنات الصوتية وكان أخشع له وللمستمعين.

المصدر: ص14 - كتاب لقاء الباب المفتوح - حكم استخدام المحسنات الصوتية الصدى عند قراءة القرآن في الصلاة - المكتبة الشاملة.

قلت: هنا إشارة إلى الالتزام بالأصل وعدم تكلف استعمال الأجهزة، وهذا يتفق مع منهج السلف الصالح، فالحمد للَّه رب العالمين.

السؤال
فضيلة الشيخ لقد انتشر في كثير من المساجد ظاهرة جهاز الصدى، فما حكم الصلاة مع وجود هذا الجهاز الترددي؟ هل تجوز الصلاة في مسجد به هذا الجهاز؟ وقد سمعت بأن فضيلتكم امتنع عن الصلاة في مسجد من المساجد به هذا الجهاز. ملحوظة: بعض الناس يقول: أين دليل التحريم؟ أرجو التوضيح والله يحفظكم ويرعاكم.
الجواب
أقول: إن هذا الصدى حسب ما سمعنا عنه يشبه البوق الذي يستعمله اليهود في صلواتهم، وفيه -أيضاً- محذور آخر وهو أنه يردد الحرف فيكون الحرف الواحد حرفين أو أكثر، وهذا زيادة في القرآن لا تجوز، ولذلك عد العلماء رحمهم الله الشدات في الفاتحة عدوا كل شدة حرفاً، وقالوا: لو أنه ترك التشديد في آية فقال: الحمد لله ربِ العالمين لم تصح قراءته؛ لأن التشديد وهو تكرار الحرف يعتبر حرفين، وعلى هذا فالصدى يعني: أن الذي قرأ فيه زاد في القرآن ما ليس منه؛ ومن هنا نعرف التحريم.
أولاً: إن صح أنه يشبه بوق اليهود في صلاتهم فهو حرام للتشبه. والثاني: إذا لم يصح هذا فهو حرام لزيادة الحروف، ونحن لا نريد من القرآن أن نحوله إلى أغاني، القرآن نزل للخشوع والخضوع.ثم إن بعض الناس يقول لي: إن مسجده صغيراً لا يتحمل مكبر الصوت بلا صدى، ومع ذلك يستعمل الصدى! والله هذا يؤسفنا كثيراً أن يتعبد الإنسان لربه بهواه لا بالهدى، نحن لا ننكر أن يصلي الإنسان بمكبر الصوت إذا كان لا يغير الحروف ولا الكلمات ولا يخرج القرآن عن كونه موعظة يلين القلوب، وهذا الصدى يخرجه إلى أن يكون كأنه أغاني، وهذه محنة، والواجب على الإمام أن يتقي الله في نفسه، وأن يزيل هذا الجهاز، ثم ينظر هل هو في حاجة إلى أن يستعمل مكبر الصوت أو لا، إذا لم يكن حاجة فلا حاجة، والواقع أنه إذا كان المسجد صغيراً ألا حاجة لمكبر الصوت؛ لأن كونه ينقل في المنارة هذا أمر منهي عنه لا شك لكونه يؤذي من حوله من المساجد، ويشوش على الآخرين، ويؤذي أصحاب البيوت -أيضاً- لأن أصحاب البيوت يريدون أن يصلوا فيشوش عليهم، ربما يكون في البيت مريض قد بقي كل الليل ما نام، ولما أذن الفجر صلى الفجر ثم رقد فيأتي هذا بمبكر الصوت على المنارة ويحرمه النوم، وفيه مفاسد كثيرة.
إذاً لسنا بحاجة إلى أن ننقل الصلاة على المئذنة.
بقي: هل نحن في حاجة إلى استعمال مكبر الصوت في مسجدنا؟ ينظر.إذا كان المسجد صغيراً لا حاجة، إذا كان كبيراً ففيه حاجة، لكن لا حاجة للصدى إطلاقاً، بل الصدى مما هو منهي عنه، وقد بينت لكم وجه ذلك.

المصدر: ص36 - كتاب اللقاء الشهري - تصفح الكتاب - المكتبة الشاملة.

قلت: جزى اللَّه إمامنا خيرا، كلامه يثلج الصدور، صدور متبعي الحق!

أما عن التشبه ببوق اليهود، فلا يصح، نظرت إلى بوقهم وإلى هاته الأجهزة، فلم أجد وجه شبه، واللَّه أعلم. على أنني — إن شاء اللَّه — سأبين تشبها منكرًا يقع فيه من يستخدم المحسنات الصوتية.

أما عن تحويل قراءة القرآن إلى أغاني، فقد صدق الشيخ، الكثير من القراء على الشبكة يستخدم تأثيرات لا فرق بينها وتلك التي في أغاني المجون، وللأسف، فقد عمت البلوى بهذا، ومما يزيد الطين بلة، أنهم يحسبون أنفسهم يحسنون صنعا ويروجون لذلك أكثر فأكثر، واللَّه المستعان.

أما عمّن يستخدم تأثيراتٍ تُحَسِّنُ الصوت دون التشبه بالأغاني، فسنزيد بيان حرمته، واللَّه أعلم.

السؤال:
فضيلة الشيخ: إننا نصلي التراويح في بعض المساجد وفيها هذا الجهاز الذي يدعونه بالصدى، أي: الذي يكرر الكلام، وهو مما يساعد على الخشوع، وقد سمعنا لكم فتوى بحرمة هذا الجهاز، فهل هذا صحيح؟ وهل هذا التردد المنهي عنه يبطل الصلاة في هذا المسجد؟ وهل يأثم المصلي في تلك المساجد أم لا؟ وما حكم الإمام حينئذٍ؟
الجواب:
نعم أفتيت بأن الصدى حرام، وأرجو ممن سمع مقالي هذا أن يبلغه؛ لأن الصدى كما سمعت يردد الحرف ولا سيما الحرف الأخير، هو يردد كل الحروف لكن الحروف التي قبل الأخير تدخل في الحرف الثاني ولا يبين التردد لكن في الحرف الأخير يبين، ولا شك أن هذا زيادة في كلام الله عز وجل. وإلحاق للقرآن الكريم بالأغاني المطربة، وهذا مما نهي عنه وذمه السلف، السلف ليس عندهم هذا لكن يقولون: إن الإنسان إذا جعل نغماته في القرآن الكريم كنغمات الأغاني فإن ذلك منهي عنه ومذموم، فكيف إذا جعلت هذه الآلة التي تزيد في القرآن ما ليس منه، يجعل الراء كم مرات؟ عدة راءات، والنون عدة نونات وهكذا بقية الآية، ونحن ما جئنا لنطرب، الذي يريد الطرب يذهب إلى محلٍ آخر. وأما كونه أزيد في الخشوع فهذا ليس عند من يرى أن ذلك حراماً، عند إنسان جاهل سمع هذا الإطراب والتغني وتلذذ به، لكن عند من يرى أن ذلك حراماً وأنه زيادة في كلام الله ما ليس منه، فلا يمكن أن يخشع، بل لا يزداد إلا نفوراً عن المكان والمسجد والإمام. وأرى أن الإمام الذي يفعل هذا يجب أن ينصح ويقال: يا أخي! الناس يتعلقون بذمتك، وهذا أمر ليس جائزاً فلا تفعل، لا بأس إن اكتفى بالميكرفون الداخلي خاصة دون المنارة، لا بأس إذا كان هذا أبين لصوتك وأهون لك أنت؛ لأن الإنسان في التراويح إذا لم يكن صوته قوياً جداً ربما يزداد في رفع الصوت فيتكلف ويشق عليه، فإذا جعل مكبر الصوت مكبراً عادياً أعانه على ذلك، هذا لا بأس لكن بشرط: ألا يكون في المنارة، وبشرط أن يكون مكبر الصوت بلا صدى، الصدى يقطع سلكه على طول ويبعد في الحال.

المصدر: اللقاء الشهري [33]

قلت: أي نعم، الصدى يقطع سلكه على طول.

الشيخ — رحمه اللَّه رحمة واسعة — يزيد بيان وإنكار استعمال الصدى. ومما أستأنس به، أنه لا يحبه البتة، بدليل أنه في خضم إنكاره، لم يشر إلى استعماله لتحسين الصوت، مع إنكاره لتتبع التطريب، وفي هذا دلالة قوية على كراهته له مُجْمَلًا، وأنه يرى الاقتصار على الطبيعة وما جبل عليه الإنسان، إلا إذا كان صوته ضعيفًا فيستعمل مكبّرًا. ونعمت المقولة هاته.

السؤال الخامس: ما حكم المحسنات الصوتية؟

ننظر أولا إلى نهي السلف عن التكلف في تحسين الصوت وتزيين القرآن، ونرى، هل المحسنات الصوتية ينطبق عليها ذلك؟

أي، هل التحسين المنصوص عليه يكون طبيعيًا فقط، أي كلٌّ بما آتاه اللَّه من قدرة في حد ذاته، أم، يكون آليا أيضا؟

الظاهر أن القول الأول أرجح، لأن:

  1. لفظ «نَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ» يدل على أن الحُسن طبيعي، ولا يَصْدُق ذلك على الصوت الناتج من تلك الآلات والبرامج، بل ذاك صوت مُحَسَّن، فانتبه لهذا الفرق13.
  2. قوله — صلى اللَّه عليه وسلم — «زينوا ‌القرآن ‌بأصواتكم» يدل على تقييد آلة التزيين.
  3. سؤال عبيد اللَّه بن زيد — رحمه اللَّه —: «أرأيت إذا لم يَكُنْ حَسَنَ الصوت؟» يدل على فهمه أن التحسين يكون طبيعيًا فقط.
  4. جواب ابن أبي مليكة: «يُحَسِّنُهَ ما استطاع» يدل على أنه لا يتكلف ويكتفي بما أعطاه اللَّه — عز وجل —.
  5. قول رسول اللَّه: «‌إن ‌من ‌أحسن ‌الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى اللَّه» دلالة على العلاقة بين تحسين الصوت بطريقة مشروعة والخشوع، فمتى دخلت الآلات في الوسط، أثرت سلبا في كِلا الطرفين.
  6. الشيخ ابن عثيمين فسر تحسين الصوت بالأصوات الطبيعية، وأنه لا يكون بالآلات.
  7. الصوت الناتج ليس من طبيعة القارئ، بل حمله على نفسه وليس من عادته. وهذا ظاهر لأن اقتناء الآلة وإعدادها وتركيبها تجشم لغير لازم. وكذلك تعديل الصوت بالبرامج في حالة انعدام الآلة.

كل هذا يعضد تحقق التكلف في استعمال المحسنات والمؤثرات الصوتية. هاته العلة الأولى.

أما الثانية، فهي التشبع بما لم يعط القارئ، فذاك الصوت المُحَسن ليس مما أعطاه اللَّه القارئَ، ومع ذلك، فالناس ستستحسنه وتثني على القارئ أكثر مما يستحق14، وهذا منتشر الآن انتشار النار في الهشيم.

وكم من قارئ يخيب أمل المستمعين لو لم يستعمل تلك المحسنات، وهذا مما خشيه الشيخ ابن عثيمين. وقد تحقق، نسأل اللَّه السلامة.

العلة الثالثة، وهي الرياء والعجب، وهذا ظاهر لمن سلم قلبه من ذلك، أما من غرق فيهما، فنسأل اللَّه أن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه.

البعض قد يشتري مكبرات صوت تمكن من إضافة تأثير الصدى، فقط ليتخذ القرآن مزمارًا يلهو به، فيتكلف شراء النوعيات الباهظة ويتجشم سعرها ويجتهد في جمعه وطلبه من الناس.

هذا كله قبل أن يشتريه، يمني نفسه بتلك اللحظات التي سيتلذذ فيها والناس بتلاوته المُحَسَّنة.

أما بعد الشراء، فسماع القارئ لتلاوته المُحَسَّنة يوقعه في العُجب، والرياء أكثر وأكثر، وانشغاله بصوته، وتفننه في التلحين، حتى يقع في التحريف، ذلك لأن تلك التأثيرات، ولا سيما التردد، يكون لها وقع مستحسن في أواخر الصوت، فيدفع ذلك بالقارئ ولو لم يشعر، إلى التمطيط والتمديد والتفخيم والترقيق في غير مواضعها.

فإن قيل: «كل هذا واقع دون تلك المحسنات»، قلنا: ربما، وحتى لو، فالفرق في الشدة، فهاته المحسنات تزيد من شدة تلك المنكرات، وهذا لا يُنكر.

فيرجع الأمر إلى موازنة المصالح والمفاسد، هل مصالح تلك المحسنات تغلب المفاسد؟

نظرنا فوجدنا: أن المصلحة الوحيدة هي، زعموا، زيادة خشوع المصلين والمستمعين، فوجدنا هذا ضعيفا غير ثابت. ثم لو كان ثابتا، لما صح الاحتجاج به، لأن الرسول — صلى اللَّه عليه وسلم — وصحابته أحرص منا على الخشوع، ولم يحتاجوا لهذا التكلف، وهذا وحده يبطل دعوى زيادة الخشوع على الأقل.

ثم نظرنا إلى المفاسد فوجدنا شرها مستطيرًا يشهد لها الواقع المرير، ودرؤها أقوى بكثير من المصلحة المزعومة.

هذا وحده كاف لتحريم تلك المحسنات، فكيف إذا أضفنا ما سبق بيانه، وما سيأتي. واللَّه المستعان.

العلة الرابعة: مخالفة هدي السلف الصالح.
بيان ذلك: كما أسلفنا، فالمحسنات الصوتية يعدلها تتبع الأماكن الواسعة أو بناؤها أو القراءة الجماعية، رغبة في الحصول على ذلك الأثر، وهذا معلوم قطعا أنه لم يفعله الرسول — صلى اللَّه عليه وسلم — ولا صحابته، ولا أحد من المسلمين. وإنما خفي هذا على المعاصرين لسهولة الحصول على تلك التأثيرات مقارنة بما كان من قبل، ولا ينفي هذا انطباق نفس الحكم عليه، فكلاهما تعمدٌ لحصول تأثير الصدى والتردد.

هذا التعمد يجرنا إلى:
العلة الخامسة: من كان يحرص على حصول الصدى والتردد عند تعبده؟

الجواب: النصارى.

وبيان ذلك: أن للنصارى علاقة وطيدة بنوعية الصوت وجودته، لا سيما التردد، محاولة منهم خلق جو حي ومؤثر.

وقد كانوا:

  1. يقيمون ترانيمهم وأغانيهم وأناشيدهم في أماكن تتسبب في تردد الصوت.
  2. يبنون صوامعهم وكنائسهم بمواد تعين على ذلك، كالحجارة الصلدة التي لا تمتص الصوت، بل تعكسه.
  3. يحرصون على توسعة قاعات الغناء والنشيد وتعلية سقفها.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك، الترانيم الجريجورية (Gregorian chants)، حيث يقوم الرهبان بالترنم جماعة في بهو واسع فسيح، فيكون لنشيدهم دويا وأثرا عميقًا يؤثر في نفوس المستمعين، وهذا تعبدهم، بالموسيقى، ومثلهم الصوفية، أعاذنا اللَّه وإياكم من حالهم.

أما في عصرنا هذا، فمعظم الكنائس الحديثة لا تبنى كما كانت، ولذلك، استعاضوا بأجهزة الصدى والمحسنات الصوتية لمحاكاة الكنائس القديمة، حتى إنهم يستعينون بفريق هندسة الصوتيات.

ولمزيد من البيان، ففي بعض البرامج التي تتيح التأثير على الصوت، تجد هاته الميزة:

نعم، محاكاة تَردد الصوت في الكنائس.

العلة السادسة: الوقوع في ما يشبه التغبير والضرب على الجلاجل. وسأنقل بعض أقوال أهل العلم حول التغبير وما شابه:

الأول: من «غريب الحديث - ابن الجوزي» (2/ 144):

فِي الحَدِيث أعنز درهن غبر أَي قَلِيل فِي الحَدِيث نهَى عَن ‌التغبير وَهُوَ صَوت يردده
قلت: الشاهد من هذا هو تفسير التغبير بترديد الصوت.

الثاني: من «الاستقامة» (1/ 238):

قَالَ الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن والتغبير هُوَ الضَّرْب بالقضيب غبر أَي أثار غبارا وَهُوَ آلَة من الْآلَات الَّتِي تقرن بتلحين الْغناء
قلت: الشاهد هنا هو قرن الآلات بالصوت لتحسين المسموع.

الثالث: من «مجموع الفتاوى» (11/ 592):

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه اللَّه: خَلَّفْت بِبَغْدَادَ شَيْئًا أَحْدَثَتْهُ الزَّنَادِقَةُ يُسَمُّونَهُ ‌التَّغْبِيرَ يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ الْقُرْآنِ. وَسُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: هُوَ مُحْدَثٌ أَكْرَهُهُ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَرِقُّ عَلَيْهِ الْقَلْبُ. فَقَالَ: لَا تَجْلِسُوا مَعَهُمْ. قِيلَ لَهُ: أَيَهْجُرُونَ؟ فَقَالَ: لَا يَبْلُغُ بِهِمْ هَذَا كُلَّهُ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ لَا فِي الْحِجَازِ وَلَا فِي الشَّامِ وَلَا فِي الْيَمَنِ وَلَا فِي مِصْرَ وَلَا فِي الْعِرَاقِ وَلَا خُرَاسَانَ. وَلَوْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةٌ فِي دِينِهِمْ لَفَعَلَهُ السَّلَفُ.
قلت: والشاهد من هذا هو دعواهم ترقيق القلب.

الرابع: من «المسائل والأجوبة لابن تيمية» (ص160):

حتى قال فيه الشافعي: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن. والتغبير الذي ذكره الشافعي هو إنما كان أن يضربوا بقضيب على جلدة كالمخدة ونحوها، لم يكن بعد قد أظهروا الشبابات الموصولة والدفوف المصلصلة، ولما سُئل الإمام أحمد عن هذا التغبير قال: إنه بدعة. ونهى عن الجلوس مع أهله فيه، وكذلك يزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة.
قلت: أما هنا، فتطورت بدعتهم، فمن صوت إلى صوت، يتلذذون بالسماع واقعين في حيل الشيطان.

الخامس: من «جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم» (3/ 389):

ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضي اللَّه عنهم أجمعين- هل السماع بالقضيب على المخادّ15 مباح وحلالٌ أو حرام؟ لأنه عُدِل به عن الدفّ والشبابة، وما هو ذلك؟ أفتونا مأجورين أثابكم اللَّه تعالى.
أجاب سيدنا وشيخنا الشيخ تقي الدين ابن، تيمية- أطال اللَّه في عمره-:
الضرب بالقضيب على المخاد هو ‌التغبير الذي قال فيه الشافعي: خلفتُ ببغداد شيئًا أحدثتْه الزنادقة يُسمونَه ‌التغبيرَ يَصُدُّون به الناس عن القرآن. ويذكر فيه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، ونهوا الناس عن الحضور معهم. وكان الذين يحضرونه أهل زهد وعبادة ودين، يحضرونه لما فيه من التزهيد والترقيق وتحريك القلوب بالحبّ والحزن والخوف ونحو ذلك، فعدَّه الأئمة من البدع المحدثة في الإسلام، لأن اللَّه إنما شرع للمسلمين سماعَ القرآن، فهو سماعُ النبيين والعالِمين والعارفين والمؤمنين، كما ذكر اللَّه تعالى ذلك في كتابه.
قلت: الضرب على الحديد له رنين، فهو بذلك يشبه تأثيري الصدى والتردد.

السادس: من «مجموع الفتاوى» (11/ 532):

فَكَانَ طَائِفَةٌ يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُسَمُّونَ الضَّرْبَ بِالْقَضِيبِ عَلَى جَلَاجِلَ وَنَحْوِهِ " التَّغْبِيرَ ".
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَرَّانِي: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: خَلَّفْت بِبَغْدَادَ شَيْئًا أَحْدَثَتْهُ الزَّنَادِقَةُ يُسَمُّونَهُ التَّغْبِيرَ يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ الْقُرْآنِ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ مَعْرِفَةِ الشَّافِعِيِّ وَعِلْمِهِ بِالدِّينِ فَإِنَّ الْقَلْبَ إذَا تَعَوَّدَ سَمَاعَ الْقَصَائِدِ وَالْأَبْيَاتِ وَالْتَذَّ بِهَا حَصَلَ لَهُ نُفُورٌ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْآيَاتِ فَيَسْتَغْنِي بِسَمَاعِ الشَّيْطَانِ عَنْ سَمَاعِ الرَّحْمَنِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى اللَّه عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ} " وَقَدْ فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ مِنْ الصَّوْتِ فَيُحْسِنُهُ بِصَوْتِهِ وَيَتَرَنَّمُ بِهِ بِدُونِ التَّلْحِينِ الْمَكْرُوهِ
قلت: وهذا مثل تخوف الشيخ ابن عثيمين من عدم خشوع الناس إلا بتلكم المؤثرات. فإن كان ذلك، فقد صدت الناس عن القرآن، وأغنتهم عنه باستحسان وقعها في الآذان.

السابع والأخير: من «مجموع الفتاوى» (11/ 576):

وَلِهَذَا كَانَ الْمُكَاءُ وَالتَّصْدِيَةُ يَدْعُو إلَى الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَيَصُدُّ عَنْ حَقِيقَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ كَمَا يَفْعَلُ الْخَمْرُ وَالسَّلَفُ يُسَمُّونَهُ تَغْبِيرًا؛ لِأَنَّ التَّغْبِيرَ هُوَ الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ عَلَى جِلْدٍ مِنْ الْجُلُودِ وَهُوَ مَا يُغَبِّرُ صَوْتَ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّلْحِينِ فَقَدْ يُضَمُّ إلَى صَوْتِ الْإِنْسَانِ. إمَّا التَّصْفِيقُ بِأَحَدِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى وَإِمَّا الضَّرْبُ بِقَضِيبٍ عَلَى فَخِذٍ وَجِلْدٍ وَإِمَّا الضَّرْبُ بِالْيَدِ عَلَى أُخْتِهَا أَوْ غَيْرِهَا عَلَى دُفٍّ أَوْ طَبْلٍ كَنَاقُوسِ النَّصَارَى وَالنَّفْخِ فِي صَفَّارَةٍ كَبُوقِ الْيَهُودِ. فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْمَلَاهِي عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالتَّقَرُّبِ فَلَا رَيْبَ فِي ضَلَالَتِهِ وَجَهَالَتِهِ.
قلت: الشاهد من هذا هو اشتراك كل من ذكرهم شيخ الإسلام في التعبد بسماع الملاهي، بأي وسيلة كانت، وأن هذا من خصائص المبتدعة والضلال والجهال، أعاذنا اللَّه من حالهم.

العلة السابعة: وهي تفصيل مهم، حيث إن أثر الصدى والتردد لا يُحَسِّنان الصوت أصلا، بل، كما شرحنا، يضيفان أثرا يتخافت تدريجيًا، يشبه رنين الجرس والضرب على الناقوس. فإن كان ذلك كذلك، جزمنا ببدعية هذا الفعل، لأنه تزيين للقرآن بما لم يشرع اللَّه تعالى. وإنما نضيفهما إلى مجموعة المحسنات الصوتية تجوزا، لكثرة استعمالهما لذلك الغرض غلطا.

بعبارة أخرى، شرع اللَّه تزيين القرآن بتحسين الصوت، أما إضافة الصدى والتردد، فلا يدخل في ذلك، بل هو تكرار للصوت وتمديد لأواخره، لإيهام السامع أن الصوت أكثر عمقا وحسنا، وليس كذلك، بل يعدله في الواقع ما ذكرناه من تخصيص القاعات والقراءة جماعة على وتيرة واحدة بحيث تلتحم الأصوات لتُشَكِّلَ أداءً مُتناسقًا.

ولتقريب ذلك أكثر وأكثر لذهن القارئ، فتخيل معي شخصا يتعمد القراءة في واد، فقط لأنه استحسن صوت الصدى وادعى أن ذلك أزيد له في الخشوع. هذا الفعل منه لا يسمى تحسينا للصوت بتاتًا، لأن تحسين الصوت يكون من ذات الإنسان، لا من ارتداد صوته من بعيد، وهذا بين جلي لمن تجرد.

ثم حتى لو كانا يحسنان الصوت، لما جاز إضافتهما لما شرحنا ولما سنشرح.

العلة الثامنة: صعوبة التحكم في درجة وشدة التأثيرات.
وهنا يدخل سد الذرائع أيضا، لأنك حتى لو قلت بالجواز، فاحتمالية وقوع التكرار والتحريف والتلحين كبيرة جدا، ولذلك عمت البلوى.

تبقى الاحتمالية الصغيرة، فنجد الخبير، ويُعَدِّل لنا النظام ليُحَسِّن الصوت دون تلكم المحظورات الصريحة، فيكون هذا من التكلف الظاهر الجلي. ذلك لأن ما فوق تركيب مكبرات الصوت كله تم بحجة أنه أزيد للخشوع، وهو مما لم يفعله السلف الصالح16.

العلة التاسعة: تحليل الصدى والتردد يلزم تحليل بناء المساجد لتحقق أثرها دونها، وفي هذا تشبه صريح بالنصارى في بناء كنائسهم.

العلة العاشرة: هذا العمل مدعاة لزيادة في المنكر والبدع.
فإن قيل: «هذا منك تهويل لشيئ يسير»، قلنا: كذلك ظن قوم نوح، فجرهم ذلك إلى ما لا يحمد عقباه.

وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام البربهاري — رحمه اللّه —، حيث قال:

واحذر صغار المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان [به] فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام، فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك [خاصة] فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء [منه] حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [أو أحد من العلماء؟] فإن وجدت فيه أثرا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا [تختر] عليه شيئا فتسقط في النار.»17.

العلة الحادية عشرة: المحسنات الصوتية مدعاة للتكاسل في تحسين الصوت والاعتماد على الأجهزة، وهذا يبطل تحسين الصوت المشروع، والذي ربطه رسول اللَّه — صلى اللَّه عليه وسلم — بالخشوع.

ومرة أخرى، ربما لا تكون أنت أخي القارئ ممن أثر عليه هذا، ولكن لا تجمد في حيزك، واعلم أن أمة الإسلام واسعة شاسعة، تتفاوت درجات تقواهم وصلابة دينهم18. ثم هناك الأجيال القادمة، فخذ ذلك في عين الاعتبار.

السؤال السادس: هل تكبير الصوت يماثل تحسين الصوت؟

قد يقول قائل: «إن جزمنا بعدم مشروعية تحسين الصوت آليا، وجب علينا كذلك الجزم بعدم مشروعية تكبير الصوت آليا».

فنقول: لا، لأنه وجب الرجوع إلى أصل كليهما والمقارنة، فأصل المكبرات هو رفع الصوت، وأصل المحسنات الصوتية هو، كما أسلفنا، تخصيص قاعات فسيحة عالية للتلاوة مثلا، وهذا قطعا باطل.

فعرفنا بذلك أنه ليس لهما نفس الحكم، والحمد للَّه رب العالمين.

السؤال السابع: ما حكم مصادفة حدوث الصدى؟

أو أيا كانت من المؤثرات الصوتية.

والجواب: لا حرج، لعدم القصد والحرص على ذلك. ولا يحصل التشبه، لأن الشرط المحقق له ليس التأثيرات بحد ذاتها، بل القصد والحرص على حصولها.

ولكن وجب التخلص منه في حالة تسبب ذاك في إزعاج وتنفير السامعين، لكونه أذية لهم، ويزداد حرمة في الصلاة، لما فيه من تنفير عن الواجب.

السؤال السابع: أرأيت إذا ميز اللَّه يوم القيامة بين الحق والباطل؟
ففي أيهما يجعل المحسنات الصوتية؟
في ‌الباطل، يا أخي.
فإن كان ذلك كذلك: { فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال } [يونس: 32].

خاتمة

هذا ما تيسر لي أخي الكريم في هاته المسألة، وإليك خلاصتها:
أمرنا رسول اللَّه — صلى اللَّه عليه وسلم — بتزيين القرآن بأصواتنا، فطبق ذلك سلفنا الصالح ملتزمين بالعفوية والسماحة وعدم التكلف.

وعَلِمْنا أنهم لم يتتبعوا أماكن تصدر الصدى ليتلوا فيها القرآن، ولم يبنوا مساجدهم لتحسن مسموع تلاوتهم. وعلمنا أن التقنيات الحديثة مكنت من تحقيق مقصود ذاك الذي لم يفعلوا، فخفي ذلك على الناس ولبس عليهم، ظانين أن هاته الآلات من النوازل التي تصنف من المباح الذي لم يرد فيه نص. بل وجعلوها من جنس المستحب الذي يعين على العبادة، وهذا وحده يبطل انتفاء نص يحدد حكمه، لأن العبادات وقفية.

فلَمّا لم يكن التطور التقني بسبب في تغير الحكم، لزمنا القول ببدعية هذا الفعل، لانتفائه من هدي السلف الصالح، بل ودخوله تحت ما أنكروه من التكلف والابتداع.

والحمد للَّه الذي رزقنا تسجيلات لتلاوات سمحة كتلاوة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي، بدون مؤثرات، فذاك مذهب السلف في تلاوة القرآن، لا الاستعانة بعوامل خارجية.

فإن كان كل ذلك كذلك، فـ(اقطع سلك الصدى على طول)، واحذف تلك التطبيقات.

وصلى اللَّه على أشرف المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.

رابط الكتاب:

الحاشية:


1

«صحيح الجامع الصغير وزيادته» (1/ 103)، «مسند أحمد» (39/ 391 ط الرسالة).

2

«مسند الدارمي - ت حسين أسد» (1/ 278)، وصححه الألباني لغيره في «صحيح الترغيب والترهيب» (1/ 155)، قائلا: «صحيح لغيره موقوف».

3

البريد الإلكتروني الخاص بالمؤلف: abderrahmene_mhb@proton.me

4

«صحيح مسلم» (1/ 545 ت عبد الباقي).

5

«سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها» للإمام الألباني (2/ 401).

6

«صحيح سنن أبي داود - ط غراس -» للإمام الألباني (5/ 212).

7

«صحيح الجامع الصغير وزيادته» (1/ 439).

8

قد ذكرنا في النسخة السابقة أن التصحيح التلقائي يتم بإضافة نغمات موسيقية، وهذا خطأ حذفناه لما اتضح لنا ذلك. بل الكيفية الصحيحة هي تعديل النبرات بمعادلات رياضية عن طريق البرنامج دون الحشو. نستغفر الله من خطئنا وقلة تثبتنا حول ماهية تلك التقنية، ونعتذر إلى كل من قرأ النسخة السابقة.

9

معجم الوسيط.

10

ما بين معقوفتين حذفته لعدم تعلقه بتحسين الصوت والقراءة بالألحان علاقةً تفيدنا في بحثنا.

11

«الجامع لعلوم الإمام أحمد - التفسير وعلوم القرآن» (13/ 424-428).

12

«زاد المعاد» ط عطاءات العلم (1/ 631).

13

إن قيل بأن القارئ إذا حَسَّن صوته، فهذا يقال لصوته مُحَسَّن كذلك. فنقول: نعم، ولكن من طرف ذاته، ولذلك يقال أيضا أن صوته حسن، بخلاف ذاك الذي يستعمل المحسنات، فلا يقال أن صوته حسن بأي حال، إن كان صوته غير حسن دونها.

14

بغض النظر عن الرياء وكراهة الثناء وغير ذلك، فلسنا بصدد ذلك.

15

جمع مخدة: حديدة تشق بها الأرض. المصدر: معجم الرائد.

16

ولا يقولن قائل أنه لم يكن في زمنهم تلك الآلات، سامحك اللَّه، فقد بينا ما يقوم مقامها.

17

«شرح السنة للبربهاري» (ص37).

18

ولا يعني هذا أن من كان صلبا في دينه فلا يعنيه التحذير من المحسنات الصوتية، إنما نبهنا على من له ضعف في دينه لينتبه الكل إلى علتها التي قد تخفى عليهم لعدم تأثيرها عليهم أثرا ظاهرا مقارنة لأثرها على الضعيف.


للقراءة المباشرة من الملف: