مقدمة المؤلف
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيءات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فقد سمعنا قولا معناه:
القرآن الكريم كتاب أنزله الله تعالى على جبريل عليه السلام فكان خير الملائكة، وأُرسل به إلى النبي عليه الصلاة والسلام فكان خير الأنبياء، وأُرسل إلى هذه الأمة فكانت خير أمة، وأنزل في ليلة القدر فكانت خير ليلة، وفي رمضان فكان خير الشهور".
وقد سئل الشيخ يحيى بن علي الحجوري حفظه الله عن هذا الكلام، فأجاب بما معناه أنه لا يجد إشكالا في هذا الكلام. ولم أقتنع بهذا لأن الإشكال جلي بالنسبة لي.
فكتبت نفس السؤال وأضفت إليه تلميحا حول الإشكال الذي أجده، طمعا في أن يحمل الجواب بيانا يغنيني عن هذا التفصيل الذي تقرؤه، ولكن أتى الجواب بمزيد من التأكيد على انعدام أي إشكال، من الشيخ عدنان المصقري حفظه الله، وأنه لا غبار عليه، وبعد مراسلات، اقترح أن أبحث في المسألة وأفيده بالنتيجة إن كان الأمر يحتاج تفصيلا. فاستحسنت هذا الرأي، وها نحن ذا.
كان سؤالي التالي:
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سمعنا قولا معناه:
القرآن الكريم كتاب أنزله الله تعالى على جبريل عليه السلام فكان خير الملائكة، وأُرسل به إلى النبي عليه الصلاة والسلام فكان خير الأنبياء، وأُرسل إلى هذه الأمة فكانت خير أمة، وأنزل في ليلة القدر فكانت خير ليلة، وفي رمضان فكان خير الشهور.ما صحة هذا الكلام؟ وهل هو مأثور عن السلف أو أحد من أهل العلم؟
وأيضا، عندي إشكال في معناه: فظاهر العبارة أن الشرف جاء بسبب القرآن، فيُفهم أن جبريل صار خير الملائكة بسبب القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم صار خير الأنبياء بسببه، والأمة كذلك...
أليس الصواب أن الله سبحانه هو الذي اصطفى وشرّف جبريل عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة، وشهر رمضان، ومكة، ثم أنزل عليهم القرآن فزادهم شرفا؟ وليس أن القرآن هو الذي جعلهم كذلك؟أرجو التوضيح والتصحيح، جزاكم الله خيرا.).
وسأجيب نفسي إن شاء الله تعالى.
التفصيل
1/ ما صحة هذا الكلام؟
هذا الكلام ليس بصحيح.
2/ وهل هو مأثور عن السلف أو أحد من أهل العلم؟
لم نجد لهذا الكلام عزوا إلى أحد من السلف الصالح، بل وجدناه متداولا بين العوام على الشبكة، مجردا، ولا يعرف مصدره. ولذلك يغلب على ظننا أنه من عبارات أحد العوام، وهذا في أحسن الأحوال، والله أعلم.
وإن صح أنه من نسج العوام، فالأغلب أ ن يكون فيه { اخْتِلَافًا كَثِيرًا }.
3/ أليس الصواب أن الله سبحانه هو الذي اصطفى وشرّف جبريل عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة، وشهر رمضان، ومكة، ثم أنزل عليهم القرآن فزادهم شرفا؟ وليس أن القرآن هو الذي جعلهم كذلك؟
نعم، وتلك المقولة تعارض هذا معارضة صريحة، ذلك لأن معناها:
القرآن السبب الأصلي في تفضيل جبريل عليه السلام على الملائكة، أي إنه لم يكن أفضلهم قبل أن ينزل به إلى نبينا عليه السلام. وطَبِّق نفس الشيء مع باقي المذكورين.
وهذا خطأ ظاهر صريح.
وذلك لعدة أسباب، نذكر منها:
1 - معارضة قول الله تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124].
قال السعدي رحمه الله، في بيان هذه الآية:
{ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فيمن علمه يصلح لها، ويقوم بأعبائها، وهو متصف بكل خلق جميل، ومتبرئ من كل خلق دنيء، أعطاه الله ما تقتضيه حكمته أصلا وتبعا، ومن لم يكن كذلك، لم يضع أفضل مواهبه، عند من لا يستأهله، ولا يزكو عنده. وفي هذه الآية، دليل على كمال حكمة الله تعالى، لأنه، وإن كان تعالى رحيما واسع الجود، كثير الإحسان، فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله".
قلت: ومنه: لَمّا كان القرآن أفضل الكتب، كان من الحكمة أن ينزل به أفضل الملائكة، على أفضل الرسل إلى أفضل الأمم، في أفضل ليلة من أفضل الشهور، وفي أفضل بقعة.
أما تلك المقولة فتجعل التفضيل نتيجة للتعلق بالقرآن، لا سابقا له، وهذا غير صحيح، لأنه يؤدي إلى القول بأنه، مثلا، لم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من على وجه الأرض قبل بعثته، وأن الله لم يختر أفضل الناس ليبلغ أفضل الرسائل.
ولا يعني هذا أننا ننفي شرف التعلق بالقرآن ولا أننا نستهين به أو نقلل من قدره وعظمته، وليس في كلامنا أي دلالة على هذا إلا إذا أسيء الفهم. ففرق بين التفضيل والاصطفاء، والتشريف أو زيادة التشريف.
2 - قال السعدي في بيان قول الله تعالى: { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ }:
{ مُطَاعٍ ثَمَّ } أي: جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لديه من الملائكة المقربين جنود، نافذ فيهم أمره، مطاع رأيه، { أَمِينٍ } أي: ذو أمانة وقيام بما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا [كله] يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة. والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل".
قلت: وفي هذا تقرير فضل جبريل عليه السلام على الملائكة، قبل نزوله بالقرآن.
3 - مكة أشرف البقاع منذ خلق الله السماوات والأرض، بدليل ما رواه البخاري في صحيحه، عن مجاهد:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي قَطُّ إِلَّا سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ[...]"1.
ولم يذكر هذا عن غيرها.
وهي البقعة التي اختارها الله لبناء الكعبة، منذ زمن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وما زال الناس يحجون إليها من ذاك الزمن.
فلا يصح أن يقال: إنما صارت مكة خير البقاع حين أُنزل فيها القرآن. كلا، بل كانت كذلك قبل إنزاله، وزادها الله شرفا بإنزال كتابه فيها.
4 - قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"2.
فهل مكة أصبحت أحب أرض الله إلى الله بعد نزول القرآن فقط؟ هذا لا يقول به أحد، إن شاء الله. ولكنه لازم لتلك المقولة، فبان غلطها.
5 - معارضة ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، موقوفا:
إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنًا3 فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ."4.
الشاهد من هذا أن الله تعالى اصطفى نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعثه. وهذا صريح فهم صحابي جليل.
6 - قال الإمام السعدي في بيان قول الله تعالى: { فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ }:
فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه أنه أنزله { فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } أي: كثيرة الخير والبركة وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام".
7 - لا دليل على هذا القول، لا من كتاب ولا سنة ولا فهم صحابي. بل كما نقلنا، في أقوالهم ما يقرر عكس ذلك. فهو بهذا تقول على الله بغير علم، وهو من التكلف في تقرير فضل القرآن وعظمته.
خاتمة
نذكر مرة أخرى أنه ليس في هذا البحث انتقاص من قدر القرآن العظيم ولا استهانة به، بل هو غيرة على دين الله، أن يُتَقول على الله من غير علم. ولولا أننا وجدنا عدم انتباه أهل العلم لِمَا أشكل علينا، لَمَا بحثنا في هذا أصلا، ولكن قدر الله وما شاء فعل، إذ لا يجوز لنا السكوت على ما ترجح لدينا نكارته.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه عبد الرحمن بن مِيهُوب القَدَّارِي، في الثامن من صفر، عام 1447 هجري.
الحاشية:
صحيح البخاري، كتاب المغازي، (4313).
«الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (1/ 574).
قال الإمام الوادعي في الحاشية: "ليس فيه دليل للمستحسنين للبدع، فإن المسلمين الكاملي الإسلام لا يستحسنون البدع، ثم هو موقوف على ابن مسعود.".
«الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (1/ 649) رقم 842. قال الإمام الوادعي: "هذا حديث حسن".
رابط الكتاب: